في قراءة تحليلية لواقع ومستقبل الاقتصاد الوطني، أكد عضو مجلس الشورى الدكتور عبدالله عمر النجار، أن اللقاء الذي جمع المجلس بوزير الاستثمار المهندس خالد الفالح، لم يكن مجرد استعراض روتيني لمؤشرات الأداء، بل مثّل إعلاناً صريحاً عن دخول منظومة الاستثمار في المملكة مرحلة جديدة تتسم بالصرامة والنضج، حيث لم تعد العبرة بالشعارات البراقة أو الأرقام المجردة، بل بمعايير الإنتاجية، والأثر الاقتصادي الملموس، والاستدامة طويلة الأجل.
تغير جذري في الفلسفة الاستثمارية
أوضح النجار أن السؤال الجوهري حول الاستثمار في المملكة قد شهد تحولاً جذرياً؛ إذ لم يعد التركيز منصباً على حجم التدفقات المالية فحسب، بل انتقل إلى فحص نوعية هذه الاستثمارات، ووجهتها، والقيمة الحقيقية التي تضيفها للاقتصاد الوطني. ويأتي هذا التحول كثمرة مباشرة لرؤية المملكة 2030، التي أعادت تعريف الاستثمار من كونه نشاطاً تابعاً للنمو التقليدي، ليصبح أداة استراتيجية فعالة لإعادة هيكلة الاقتصاد. وقد نجحت هذه الرؤية في نقل المملكة من وضعية التفاعل مع الفرص المتاحة إلى موقع صناعة الفرص، ومن مجرد بيئة جاذبة تقليدية إلى منصة إقليمية وعالمية لصناعة القرار الاستثماري، بهدف توطين المعرفة وتعظيم المحتوى المحلي.
مؤشرات الأداء والتركيز على القطاعات المستقبلية
تشير البيانات الحديثة إلى نجاح هذه الاستراتيجية، حيث تتركز اليوم نحو 85% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الشركات متعددة الجنسيات، وهو ما يعني جلب عمق تقني وإداري متطور، وربط الاقتصاد السعودي بسلاسل القيمة العالمية. كما قفزت حصة القطاعات المستقبلية والواعدة من إجمالي الاستثمارات من نحو 13% سابقاً إلى ما يقارب 60% حالياً، في دلالة واضحة على إعادة توجيه بوصلة رأس المال نحو الصناعات المتقدمة، والتقنية، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، والابتعاد عن الاستثمارات التقليدية منخفضة الأثر.
تجربة المستثمر: من الترويج إلى المحاسبة
ويرى النجار أن قياس نجاح التجربة الاستثمارية لم يعد يعتمد على لحظة دخول السوق فقط، بل تبنت المملكة “مؤشر رضا المستثمر” كمعيار أساسي للأداء. ويُعد هذا الانتقال خطوة ذكية من منطق الترويج والتسويق إلى منطق المحاسبة على جودة التجربة التشغيلية. فالاعتراف بالتحديات مثل التعقيدات الإجرائية، وتضارب الصلاحيات، وارتفاع تكلفة الأعمال، والعمل على معالجتها، هو الضمان الحقيقي لاستدامة الاستثمار وعدم فشله.
المقرات الإقليمية وتنمية المناطق
وفي سياق متصل، يُعد نجاح المملكة في استقطاب أكثر من 660 شركة عالمية لافتتاح مقراتها الإقليمية في الرياض مؤشراً اقتصادياً بالغ الأهمية، يؤكد تحول العاصمة السعودية إلى مركز ثقل لاتخاذ القرار الإقليمي، وليس مجرد سوق استهلاكي. هذا التحول يحمل آثاراً إيجابية مباشرة على توطين الوظائف القيادية والنوعية، ونقل الخبرات العالمية.
كما أشاد النجار بالتوجه الاستراتيجي لتوزيع المشاريع النوعية على مختلف مناطق المملكة بناءً على الميزات النسبية لكل منطقة، مما يعزز التنمية المتوازنة، ويخلق فرص عمل محلية، ويحد من الهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى، ويدعم سلاسل الإمداد المحلية بكفاءة عالية.

