
يمثل تفوق مركز بيانات سدايا «هيكساجون» على نظرائه من مراكز البيانات العالمية ترجمةً عملية لخيار استراتيجي حازم قاده صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء. هذا الخيار يقوم على مبدأ بناء سيادة رقمية وطنية مكتملة الأركان، تنتقل بموجبها المملكة من مرحلة استهلاك التقنية إلى مرحلة امتلاك البنية التحتية للبيانات وإدارتها وتشغيلها ضمن إطار وطني موحد، يرتبط بشكل مباشر بمنظومة الأمن القومي، الحوكمة الرشيدة، ودقة صناعة القرار.
التحول الاستراتيجي: من استهلاك التقنية إلى امتلاكها
منذ تأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) في عام 2019، وتولي ولي العهد رئاسة مجلس إدارتها، شهدت المملكة تحولاً جذرياً في التعاطي مع الأصول الرقمية. لم تعد البيانات مجرد ملفات للأرشفة، بل أصبحت «نفط القرن الحادي والعشرين» وركيزة أساسية في رؤية السعودية 2030. وقد اتجهت السياسات التقنية نحو إنشاء أصول رقمية حكومية طويلة الأمد، تتعامل مع البيانات بوصفها ركيزة اقتصادية وسيادية في آنٍ واحد، مما يؤسس لمرحلة جديدة من الاستقلال الرقمي الذي يقلل الاعتماد على المشغلات الأجنبية ويحمي الفضاء السيبراني الوطني.
معايير Tier IV: تفوق تشغيلي يتجاوز السائد عالمياً
إن اختيار إنشاء مركز بيانات حكومي بتصنيف Tier IV يعكس توجهاً نحو أعلى مستويات الاعتمادية التشغيلية عالمياً. يتميز هذا التصنيف بجاهزية تصل إلى 99.995%، وقدرة فائقة على تنفيذ أعمال الصيانة الدورية والطارئة دون أي تأثير على استمرارية الخدمة. هذا المستوى المتقدم يتجاوز النموذج السائد في غالبية مراكز البيانات التجارية الأمريكية والأوروبية، التي تعمل غالباً ضمن تصنيفات Tier III أو Tier III+، وتعتمد على تشغيل متعدد العملاء تحكمه اعتبارات الربحية التجارية أكثر من متطلبات السيادة الصارمة. ويمنح هذا التفوق التشغيلي «هيكساجون» قدرة عالية على تشغيل الأنظمة الحكومية الحساسة والحرجة ضمن بيئة مستقرة تماماً ومصممة لإدارة المخاطر قبل وقوعها.
480 ميغاواط: بنية تحتية لاقتصاد المستقبل
تُعد القدرة الاستيعابية البالغة 480 ميغاواط حجر الأساس لبناء اقتصاد بيانات متكامل. هذه الطاقة الضخمة تتجاوز مجرد عمليات التخزين التقليدية لتصل إلى تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، والحوسبة عالية الأداء (HPC)، وتحليل البيانات الوطنية واسعة النطاق (Big Data). وتفوق هذه القدرة المتوسط السائد في المراكز الأمريكية الفردية، التي تتراوح قدرتها غالباً بين 100 و250 ميغاواط، مما يعكس استعداد المملكة لتشغيل نماذج ذكاء اصطناعي وطنية كثيفة الاستهلاك للطاقة ضمن بيئة مملوكة للدولة وتحت إشرافها المباشر، وهو ما يدعم مشاريع المدن الذكية مثل نيوم والقدية.
الأثر الاقتصادي والاستثماري: أرقام تعكس القيمة
اقتصادياً، يُقاس نجاح مركز البيانات السيادي بسلسلة القيمة التي يولدها. ووفقاً للمتوسطات العالمية لتكلفة مراكز البيانات من فئة Tier IV، حيث تتراوح تكلفة إنشاء الميغاواط الواحد بين 7 و12 مليون دولار، فإن القيمة التقديرية للاستثمار الرأسمالي لمركز «هيكساجون» تتراوح بين 3.3 و5.7 مليار دولار (ما يعادل 12.5 إلى 21.4 مليار ريال سعودي). أما على مستوى التشغيل، فيولد كل ميغاواط ما بين 1.5 و2.5 مليون دولار سنوياً من النشاط الاقتصادي المرتبط بالطاقة، التشغيل، الصيانة، الخدمات الرقمية، والأمن السيبراني، مما يرفع الاقتصاد التشغيلي السنوي المتوقع إلى ما بين 720 مليون و1.2 مليار دولار.
وتتجاوز القيمة المضافة هذه الأرقام المباشرة عبر أثر غير مباشر يشمل رفع كفاءة الإنفاق الحكومي، تقليص الهدر التشغيلي، تمكين اقتصاد الذكاء الاصطناعي الوطني، وتوطين سلاسل تقنية عالية القيمة. وتشير التقديرات الاقتصادية الدولية إلى أن كل دولار يُستثمر في بنية بيانات سيادية يولد ما بين 2 و4 دولارات كقيمة مضافة خلال 10 سنوات، مما يضع الأثر التراكمي المتوقع لـ «هيكساجون» عند مستويات تتجاوز 40 إلى 60 مليار ريال على المدى المتوسط، ليكون بذلك أحد أبرز الأصول السيادية الرقمية في المنطقة ونموذجاً يُحتذى به في خريطة الاقتصاد العالمي للبيانات.

