يوافق يوم 27 مارس من كل عام في المملكة العربية السعودية الاحتفاء بيوم مبادرة السعودية الخضراء، وذلك بموجب قرار مجلس الوزراء الموقر. يُجسد هذا اليوم التوجه الاستراتيجي للمملكة نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي. كما يهدف إلى تحفيز مختلف القطاعات الحكومية والخاصة للإسهام الفاعل في تحقيق مستهدفات التنمية المستدامة، بما ينسجم بشكل وثيق مع تطلعات ومستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى بناء مستقبل أكثر إشراقاً واخضراراً للأجيال القادمة.
الجذور التاريخية لانطلاق مبادرة السعودية الخضراء
لم يكن الاهتمام بالبيئة وليد اللحظة في المملكة، بل هو امتداد لجهود طويلة تبلورت بشكل مؤسسي مع إطلاق ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود لهذه المبادرة الطموحة في عام 2021. جاءت هذه الخطوة التاريخية استجابة للتحديات البيئية المتزايدة التي تواجه المنطقة والعالم، مثل التغير المناخي، وارتفاع درجات الحرارة، وشح المياه، وزحف الرمال. ومنذ انطلاقتها، وضعت المبادرة خارطة طريق واضحة المعالم لحماية الأرض والطبيعة، معتمدة على نهج علمي وعملي يوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الموارد الطبيعية، لتشكل بذلك نقطة تحول مفصلية في مسيرة العمل المناخي السعودي.
إنجازات وطنية بارزة في مكافحة التصحر وتنمية الغطاء النباتي
حققت المبادرة إنجازات وطنية استثنائية، لعل أبرزها إعادة تأهيل مليون هكتار من الأراضي المتدهورة. تم تحقيق هذا الرقم القياسي عبر البرنامج الوطني للتشجير التابع للمركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر. وتعد هذه الخطوة ركيزة أساسية ضمن المستهدفات الرامية إلى تنمية الغطاء النباتي، والحد من ظاهرة التصحر التي تهدد التنوع البيئي. كما تسهم هذه الجهود في تحسين جودة الحياة للمواطنين والمقيمين، وتعزيز القدرة الطبيعية للبيئات المحلية على التكيف مع التغيرات المناخية القاسية. وخلال العام الماضي وحده، زُرِعت أكثر من 159 مليون شجرة في مختلف مناطق المملكة، مما يعكس جدية التنفيذ وسرعة الإنجاز.
حماية التنوع الأحيائي وتعزيز كفاءة الموارد المائية
لا تقتصر جهود المملكة على زراعة الأشجار، بل تمتد لتشمل حماية التنوع الأحيائي وإعادة توطين الكائنات المهددة بالانقراض. وفي هذا السياق، شهدت المها العربية ولادة صغارها للعام الثالث على التوالي في المحميات الطبيعية، مما يعد مؤشراً إيجابياً على تعافي النظم البيئية. وعلى صعيد إدارة الموارد، يلعب المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه دوراً محورياً من خلال توفير نحو 120 ألف متر مكعب من المياه يومياً، مع وجود خطط استراتيجية لرفع هذه الكمية لتصل إلى 300 ألف متر مكعب يومياً. تنسجم هذه الجهود مجتمعة مع مستهدفات التنمية المستدامة وتدعم الأمن المائي والبيئي للمملكة.
الأثر الإقليمي والدولي لجهود المملكة البيئية
تتجاوز أهمية وتأثير هذه الخطوات الحدود الجغرافية للمملكة لتشمل النطاقين الإقليمي والدولي. فمن خلال إطلاق مبادرتي السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر، تقود المملكة حراكاً إقليمياً غير مسبوق لخفض الانبعاثات الكربونية العالمية، وزراعة مليارات الأشجار في منطقة الشرق الأوسط. هذا الدور الريادي يعزز مكانة المملكة كلاعب رئيسي في صياغة سياسات المناخ العالمية، ويؤكد التزامها بدعم التحول نحو نموذج تنموي أكثر استدامة يعتمد على الطاقة النظيفة وتقليل الانبعاثات. إن يوم المبادرة السنوي يمثل منصة عالمية لتسليط الضوء على هذه المنجزات، واستعراض المستهدفات المستقبلية، ودعوة المجتمع الدولي لتضافر الجهود من أجل حماية كوكب الأرض وضمان استدامته.

