تواصل المملكة العربية السعودية مسيرتها الطموحة نحو تعزيز استقلاليتها الإستراتيجية وبناء منظومة دفاعية متكاملة، حيث تحقق شركة بي أيه إي سيستمز، بالتعاون الوثيق مع البرنامج السعودي البريطاني للتعاون الدفاعي، قفزات نوعية في هذا المجال. وتأتي هذه الجهود بالشراكة مع القوات الجوية الملكية السعودية والقوات البحرية الملكية السعودية، وتحت إشراف مباشر من الهيئة العامة للصناعات العسكرية، بهدف تطوير القدرات العسكرية وتوطين الصناعات الدفاعية، بما يتماشى مع التطلعات الوطنية الكبرى.
عمق العلاقات السعودية البريطانية وأهمية التوطين
تستند هذه الشراكة إلى تاريخ طويل وعريق من العلاقات الإستراتيجية بين المملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة، والتي تمتد لعقود من التعاون في مجالات الأمن والدفاع. ولم يعد هذا التعاون يقتصر اليوم على صفقات التسلح التقليدية، بل تحول إلى شراكة صناعية وتقنية تهدف إلى نقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا. ويكتسب هذا التحول أهمية قصوى في ظل المتغيرات الجيوسياسية العالمية، حيث يسهم توطين الصناعات العسكرية في تعزيز الأمن القومي، ورفع الجاهزية العملياتية للقوات المسلحة، وتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية، وهو ما يشكل حجر الزاوية في إستراتيجية الدفاع الوطني للمملكة.
دور ولي العهد في قيادة التحول الصناعي العسكري
يُعد برنامج التجميع النهائي للطائرات في المملكة أحد أبرز ثمار هذه الشراكة الإستراتيجية، وهو البرنامج الذي حظي بدعم القيادة الرشيدة منذ انطلاقه. ففي عام 2017، وفي منشأة البرنامج السعودي البريطاني للتعاون الدفاعي بقاعدة الملك عبدالعزيز الجوية بالقطاع الشرقي، دشن صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أول طائرة نفاثة متقدمة من طراز «هوك» تم تجميعها وتصنيع عدد من أجزائها محلياً بالكامل بأيادٍ وطنية. شكلت تلك اللحظة نقطة تحول تاريخية في مسار الصناعات العسكرية السعودية، مؤكدة عزم المملكة على امتلاك قدرات التصنيع المتقدمة.
واستمراراً لهذه النجاحات، تم تسليم الطائرة رقم 22 خلال معرض الدفاع العالمي السابق، برعاية صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز، وزير الدفاع، مما سلط الضوء على استدامة هذا البرنامج وقدرته على التوسع والنمو.
سلاسل الإمداد المحلية وأرقام قياسية في التوطين
لم يقتصر نجاح البرنامج على التجميع النهائي فحسب، بل امتد ليشمل تعميق المحتوى المحلي في سلاسل الإمداد. فقد ساهم البرنامج في تصنيع 33,000 قطعة محلياً من المكونات الداخلية والخارجية للطائرة، بمشاركة فاعلة من 25 شركة سعودية. يعكس هذا الرقم نجاح شركة بي أيه إي سيستمز والبرنامج السعودي البريطاني في خلق بيئة صناعية متكاملة تمكن القطاع الخاص السعودي من المشاركة في الصناعات الدقيقة والمعقدة.
وعلاوة على الأثر الصناعي، أحدث البرنامج أثراً تشريعياً هاماً تمثل في إنشاء مراجع تشريعية متكاملة لتنفيذ مشاريع تجميع الطائرات محلياً، والانتهاء من البروتوكولات اللازمة للمصادقة على طيرانها، مما يضع أساساً تنظيمياً راسخاً لمشاريع الطيران المستقبلية في المملكة.
تنمية رأس المال البشري: الكفاءات الوطنية في الصدارة
تشير بيانات الهيئة العامة للصناعات العسكرية إلى أن القطاع يشهد نهضة حقيقية في مجال التوظيف، حيث يضم حالياً أكثر من 34 ألف موظف مباشر، بنسبة توطين تقارب 63%. وفي هذا السياق، تقدم شركة بي أيه إي سيستمز نموذجاً يحتذى به، حيث يعمل لديها في المملكة أكثر من 7,000 موظف، يشكل السعوديون منهم نسبة 80%. وقد اكتسب المهندسون والفنيون السعوديون خبرات متقدمة في مجالات التجميع، والفحص، وضمان الجودة، والاختبارات الجوية، مما يعزز من استدامة الكفاءات الوطنية وقدرتها على تشغيل وصيانة المنظومات المتطورة بمعايير عالمية.
آفاق المستقبل: من الأجواء إلى أعالي البحار
لا تتوقف طموحات التعاون عند الحدود الجوية، بل تمتد لتشمل القطاع البحري، حيث تدعم الشركة مسارات التصنيع البحري ونقل الخبرات الهندسية بالتعاون مع القوات البحرية الملكية السعودية. ويشمل ذلك توطين 25 من القدرات البحرية في الصيانة والإصلاح، وتأهيل الكوادر عبر معهد الدراسات الفنية البحرية. إن هذا التكامل بين القطاعات الجوية والبحرية يؤكد شمولية الرؤية السعودية في بناء قاعدة صناعية دفاعية قوية ومنافسة عالمياً، تسهم بفاعلية في تحقيق مستهدفات رؤية 2030 الاقتصادية والأمنية.

